الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

473

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهذه إشارة إلى أن الواجبات الشرعية هي في حدود طاقة الإنسان . وأنها تسقط عنه إذا تجاوزت هذه الحدود ، وكما يقول علماء أصول الفقه : إن هذه القاعدة حاكمة على جميع الواجبات الشرعية ومقدمة عليها . وقد يسأل : كيف يحاسب كل البشر على أعمالهم كلها صغيرها وكبيرها ؟ فتجيب الآية ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون فهناك صحيفة أعمال الإنسان المحفوظة لدى الله العلي القدير . وهي تنطق بالحق عما اقترفه الإنسان من ذنوب ، فلا يمكنه إنكارها ( 1 ) . وربما كان القصد من الكتاب الذي لدى الله هو اللوح المحفوظ . ولفظ " لدينا " يؤكد هذا التفسير . والخلاصة أن الآية المذكورة آنفا تؤكد حفظ الأعمال على أهلها من خير أو شر ، فهي مسجلة بدقة ، والإيمان بهذه الحقيقة يشجع الصالحين على القيام بأعمال الخير ، واجتناب الأعمال السيئة . وتعبير ينطق بالحق الذي وصف صحيفة أعمال البشر تشبه القول : إن الرسالة الفلانية ذات تعبير واضح ، أي : لا يحتاج إلى شرح . وكأنها ناطقة بذاتها ، فهي تجلي الحقيقة . وعبارة وهم لا يظلمون تبين أنه لا ظلم ولا جور ولا غفلة يوم الحساب ، فكل شئ في سجل معلوم . ولكون هذه الحقائق مؤثرة في الواعين من الناس فحسب ، أضافت الآية التالية بأن هؤلاء الكفار المعاندين غارقون في دوامة الجهل والغفلة لدرجة أنهم غافلون عما ينتظرهم من الوعيد : بل قلوبهم في غمرة من هذا ( 2 ) .

--> 1 - لقد شرحنا بإسهاب صحيفة أعمال الإنسان وحقيقتها في التفسير الأمثل حين تفسير الآية ( 13 ) من سورة الإسراء وكذلك حين تفسير الآية ( 49 ) من سورة الكهف . 2 - يمكن أن تكون كلمة " هذا " إشارة إلى صحيفة الأعمال ويوم الحساب ، أو القرآن المجيد ، أو أعمال الصالحين التي أشارت الآيات السابقة إليها .